حرب باردة مصغرة في الأفق بين نيودلهي وبكين بإيعاز أميركي

في أواخر أبريل (نيسان) الماضي عُقد في الهند مؤتمر عن بعد، ضمّ أعضاء من الحكومة الهندية ومسؤولين في مجال الصناعة وإدارة الأعمال، مع مدراء مئة من الشركات التي تعمل في الصين، مثل “Adobe” و”Fedex” و”Ups” وغيرها. كان الهدف من الاجتماع بشكل عام، دراسة كيفية نقل هذه الشركات لمقر أعمالها من الصين إلى الهند. وصرح سيدهارث ناث سينغ، حاكم ولاية أوتار براديش، بأن حكومة الولاية على اتّصال مع نحو 100 شركة أميركية، ترغب في مغادرة الصين بسبب أزمة الفيروسات التاجية. وأضاف مؤكداً “لديهم بالفعل استثمارات في الصين. يحدوني الأمل في أن نتمكّن من إحضارهم إلى الهند، بالنظر إلى كيفية عملنا من خلال إجراء تغييرات في سياستنا الصناعية والقطاعية”.

الأمر لا يتعلق فقط بشركات أميركية، بل بالعديد من الشركات العالمية الأخرى، من كوريا الجنوبية واليابان وأوروبا التي تبحث عن مقر جديد لأعمالها.

إن الدافع الأساسي المعلن لهذا التحوّل من الصين إلى الهند هو (كوفيد- 19)، لكن هناك كذلك دوافع أخرى غير معلنة، وهو خوف هذه الشركات من نتائج الحرب الاقتصادية والسياسية الخفيّة بين الصين وأميركا. قد يتساءل البعض “لماذا نزوح هذه الشركات نحو الهند بالضبط؟” في الحقيقة، كل المتتبعين والسياسيين يعرف طبيعة الصراع الذي يدور في المنطقة بين الفيل الهندي والتنين الصيني منذ عقود، لدرجة أن البعض وصفه بحرب باردة مصغّرة. غير أن هذا التحول مع ذلك ليس أمراً سهلاً، فلكي يكون ناجحاً ينبغي للهند أن تعمل على توفير بنية تحتية قوية، لاحتضان هذه الشركات من وعاء عقاري، وطرق وموانئ ومطارات وغيرها، وهي بنية كانت تتفوق فيها الصين لولا لعنة فيروس كورونا. فهل ستتمكّن الهند من التغلب على هذه الصعوبات كي تكون العملاق الآسيوي الجديد؟

أكثر من ذلك هل ستتمكن الهند من تحقيق التنمية والتوسع الاقتصادي، من دون أن تنصاع للشروط المجحفة للعولمة والرأسمالية الغربية؟

لا يمكن تجاهل الصراع الإقليمي الدائر بين الهند والصين واعتباره مجرد صراع محلي. فهما يمثلان معاً نسبة 40 في المئة من سكان العالم. بالإضافة أيضاً إلى حجم النمو الديموغرافي الكبير الذي يعرفه البلدان، فهما أيضا يستندان إلى خلفية ثقافية، وإلى ماضٍ تاريخيّ وحضاريّ عريق.

الأمر إذاً لا يتعلق فقط برغبة مجموعة من الشركات في التملّص للخروج من الصين، بسبب الآثار التي تركها الفيروس التاجي على البلاد، بخاصة على مقاطعة ووهان، التي تعتبر العصب الحيوي للاقتصاد الصيني. بل إن المشكلة في الواقع أعمق من هذا بكثير، لأنها تضرب في جذور نزاع تاريخي يعود لسنوات الستينيات من القرن الماضي. صحيح أنه كانت دائماً هناك محاولات للصلح والتقارب بين البلدين، أبرزها اللقاء الذي جرى بين الرئيسين الصيني والهندي عام 2005، الذي أطلق عليه “عام الصداقة”. لكن البلدان لم ينجحا أبداً في تأسيس علاقات مندمجة ومستقرة، يسودها التعاون والتقارب. بدلاً عن ذلك ظلت العلاقات بينهما تتسم دائماً بالتعقيد، وعدم الثقة والترقب من كلا الطرفين. على سبيل المثال، هناك التجارب النووية الهندية عام 1998، التي أدخلت نيودلهي نادي الدول النووية. إضافة إلى النزاعات الحدودية مع الصين (نحو 4000 كلم كخط حدودي بين البلدين)، ومشكلة باكستان التي خاضت معها الهند في الماضي حروباً مباشرة. ثم مشكلة منطقة كشمير والعديد من المشاكل الأخرى.

لكل هذه الأسباب، فالأجواء بين الصين والهند سادها دائماً التوتر، لذلك لو حدث هذا الانتقال الذي تعتزم الشركات القيام به، ضمن ما سمي بعملية الخروج من الصين “exit china” سيكون ضربة قوية وقاصمة للاقتصاد الصيني، لأن الشركات التي ترغب في الانتقال نحو مقرات جديدة، تشتغل في قطاعات حيوية ومهمة، مثل قطاع الخدمات اللوجستية والأجهزة العلمية والإلكترونيات والسيارات. بل إن هذا النزوح قد يكون القشة التي ستقصم ظهر البعير، مما قد يؤدي إلى نكء جروح الماضي، والدخول في مواجهات مفتوحة بين البلدين.

الإمكانات والحدود

هل تتوفّر الهند على الإمكانات والمقومات، التي تسمح لها بأن تصبح بديلاً عن الهيمنة الصينية؟ من دون شك تملك الكثير من المقومات التي تجعلها منافساً قوياً، في العديد من الميادين. أبرزها عدد السكان الذي يناهز مليار و300 مليون نسمة، بل إن معدل المواليد المرتفع من شأنه أن يؤهلها لكي تتجاوز الصين في السنوات المقبلة. إضافة إلى أن قاعدة الهرم السكاني تضمّ 50 في المئة من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة.

من المقومات أيضاً التي تستند إليها الهند التفوق في مجال المعلوميات، فالمهندسون والمبرمجون الهنود لهم سمعة طيبة على المستوى العالمي، كما أنهم مطلوبون بشدة في وادي السيلكون. هناك أيضاً الجاليات الهندية الكبيرة المنتشرة في مختلف البلدان، والتي تقول بعض التقديرات إن معدل تحويلاتها من العملة الصعبة، خصوصاً من دول الخليج العربي، يناهز 35 مليار دولار سنوياً. هذا إضافة إلى ما يدرّه قطاع السياحة على البلد، الذي يعتبر واحداً من أهم الوجهات التي يقصدها السياح في العالم.

هل سيقف الفيل الهندي بمواجهة التنين الصيني في سياق صراعات الاقتصاد والنفوذ مع الغرب؟

يرتكز الاقتصاد الهندي على القطاع الخدماتي مقارنة مع الاقتصاد الصيني، الذي يركّز كما هو معروف على القطاع الصناعي. غير أن الإصلاحات التي قام بها الرئيس مودي غيّرت هذه الموازين. على سبيل المثال، تملك نيودلهي حالياً قواعد تكنولوجية هائلة في حيدر آباد وبانكالور، وهي البنية التكنولوجية التي مكّنتها من أن تنافس في غزو الفضاء، بل ومن إرسال أرخص رحلة إلى المريخ في تاريخ الرحلات الفضائية.

إذا نجحت عملية التحوّل الاقتصادي الجارية حالياً، فهذا معناه أن الهند ستدخل عالم الصناعة والعولمة من بابه الواسع، وهذا بطبيعة الحال سيجعلها مناوئة لجارتها الصين. نحن نتحدّث هنا عن قوتين نوويتين، وعن بلدين فاق عدد سكانهما المليار نسمة، لذلك أي مواجهة مباشرة بينهما ستكون نتائجها كارثية، ليس فقط على الطرفين المتقاتلين، بل وعلى الخريطة الجيوسياسية العالمية.

كل هذه المقومات وغيرها جعلت الهند تعرف في العقد الأخير نهضة تنموية كبيرة، أهّلتها لكي تكون ثالث دول العالم للشركات الناشئة، محقّقة باقتصادها الدينامكي نسبة نمو 7 في المئة سنوياً. كما حاولت الهند في عهد الرئيس مودي تجاوز عزلتها والانفتاح على العالم الخارجي، من أجل تكوين شراكات سياسية واقتصادية، خصوصاً مع اليابان وأميركا، إضافة إلى الاستثمارات الكبيرة التي قامت بها في أفريقيا. بالمجمل، أهّلت هذه السياسة الجديدة التي تنتهجها الهند لكي تصبح سادس أقوى اقتصاد في العالم.

مع ذلك ورغم كل هذه المقومات يظل هناك مؤشرات سلبية، قد تعوق الانطلاقة التنموية للهند، مثل ارتفاع معدلات البطالة والفقر والبيروقراطية، والنزاعات التي تحدث بين الفينة والأخرى بين الإثنيات، بسبب نظام الطبقات المغلقة “the castes”، خصوصاً بين الهندوس والمسلمين. فالتنمية الهندية ما تزال تأخذ اليوم شكلاً مجالياً، بمعنى أنها تنتشر في بعض المدن من دون أخرى، مثل كالكوتا ونيودلهي وبومباي، بينما تظل المناطق الأخرى تحيط بها أحزمة الفقر.

تنتظر الهند إذاً خطوات إصلاحية كبيرة، إذا ما أرادت بالفعل أن تكون اللاعب الجديد، فوق رقعة المسرح الدولي اقتصادياً وسياسياً. إلا أن العديد من المتتبعين يرى أن الهند تمتلك الورقة الرابحة، وهي نظامها الديمقراطي الذي سيسمح لها بتجاوز هذه المشاكل، مقارنة مع النظام الشمولي في الصين.

خلال الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة تواجه الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً، وهي المواجهة التي كانت تترجم على أرض الواقع من خلال بعض المواجهات العسكرية غير المباشرة بينهما. ورغم أن انهيار الاتحاد السوفياتي كان مدوياً، فإنه ترك إرثاً ثقيلاً تمثّل في النظام الصيني كأحد مكونات المنظومة الاشتراكية، الذي لم يسعَ إلى مواجهة الغرب أيديولوجياً، بل إن الصين أرادت أن تلعب لعبة الغرب ذاتها، وأن تضربه بسلاحه، ألا وهو اقتصاد السوق. لقد طمح الصينيون إلى توسيع نفوذهم، ولكن ليس كما كان يفعل الاتحاد السوفياتي، من خلال السيطرة العسكرية وضمان الولاء الأيديولوجي والسياسي، بل من خلال الهيمنة على الأسواق التجارية والريادة في عالم المال والأعمال.

لقد تمكنت الصين ـ كما هو معروف- من اجتياح العالم عبر العناية بالتجارة والاقتصاد وبناء المشاريع التنموية الضخمة في البلدان كافة، وعبر جلب الشركات الكبيرة للاستثمار والعمل فوق أراضيها. غير أن كل هذا لم يكن من دون ثمن. يأتي على رأسه تدهور البيئة المعيشية، وارتفاع مستوى التلوث، وانمحاء المعالم التقليدية التاريخية للمدن مثل بكين، حيث اختفت المباني والأحياء التقليدية، لصالح العمارات وناطحات السحاب.

تبحث العولمة عن اكتساح الأسواق وخلق برامج التنمية، ولكن كل ذلك يكون على حساب التنمية البشرية، والاستغلال الفاحش لليد العاملة الرخيصة. إضافة إلى تحويل الدولة من كيان سياسي، يملك سيادته وقراره الاقتصادي والاجتماعي، إلى مجرد جهاز إداري يهتم فقط بتدبير وتنفيذ الإجراءات التي تُملى عليه من فوق، أي من طرف الدوائر السياسية والاقتصادية العليا. لا نعرف بعد هل ستعمل الهند على استنساخ النموذج التنموي الغربي كما فعلت الصين، أم أنها ستعمل على بناء نموذج تنموي مغاير، يتجاوز المفارقات والتناقضات التي ميّزت العولمة لحد الآن. من المؤكد أن الولايات المتحدة ستسعى اليوم جاهدة، إلى تعزيز القدرات الهندية من أجل خلق حالة توازن في المنطقة، ومن أجل تقليم أجنحة التنين الصيني، الذي يسعى إلى الهيمنة الاقتصادية العالمية. ولكن ماذا لو سار الطموح الهندي في نفس المسار الذي سلكته الصين، مسار القوة الاقتصادية والهيمنة الإمبريالية المهدِّدة للمصالح الرأسمالية الغربية والأميركية؟ الآن تسعى أميركا لدمج الهند في الاقتصاد العالمي ضد الصين، غير أن هذا الدمج سيكون بشروط وإملاءات العولمة، التي من المنتظر أن تجعل الهند تحت الوصاية الاقتصادية الغربية، وهو أمر حتى وإن قبلته تكتيكياً إلا أنها ستنتفض ضده استراتيجياً. فالعولمة حسب الشروط والخصائص التي تميّزها اليوم، لا يمكنها أن تنتج سوى الأعداء والناقمين عليها. فهل ستتمكن الهند من إثبات ذاتها في سوق المال والأعمال العالمي، مع الحفاظ على خصوصيتها وتجنب الهيمنة الغربية؟

يبدو أن الهند هي العملاق الآسيوي الجديد المقبل على المسرح العالمي. غير أن الدخول للعولمة له ثمن، ولا نعرف بعد ما إذا كانت الهند مستعدة لدفعه، والآن سيترقب العالم ماذا ستفعل بكين من أجل الوقوف في وجه هذا التقارب الأميركي الهندي، وإفشاله – أو على الأقل- الحد ّمنه. كما سنترقب أيضاً مدى جاهزية نيودلهي لكي تغتنم الفرصة من أجل حسم هذه الحرب الباردة المصغرة بينها وبين الصين لصالحها.

الفاهم محمد

اندبندت عربي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *