يوم في الجبهة

..

د. أسماء الشهاري
_3_

أثناء نقلنا كنّا نتلقى الضرب والشتم ونحن مكبلين الأيدي والأقدام ومعصوبي الأعين.!

وهكذا حتى وصلنا إلى الصحراء حيث تم نقلنا من الطقم إلى شاحنة، ونحن لا نعرف ماذا سيكون مصيرنا ونتوقع تسليمنا للذبح في أي لحظة..

تم سحبنا ورمينا كالقطيع إلى الشاحنة بعضنا فوق بعض والتي كان فيها أسرى آخرين. لم نعرف ذلك بسبب الغطاء على أعيننا لكننا شعرنا عندما تم رمينا فوقهم..!

بينما نحن في حالة الرعب هذه شعرت بيد العناية الإلهية تتدخل مجدداً، حيث شعرت بفيض من الرحمات الإلهية وبسكينة ورضا تملأ قلبي ونفسي وقررت أن أصلِّ الظهر والعصر على الحالة ثم بدأت بعدها بالتسبيح والتهليل.

حقيقة منذ أن هددني ذلك الضابط بالذبح بالخنجر دخلت في عالم روحاني و راجعت نفسي_لماذا أنا هنا؟
فكانت الإجابة لأني خرجتُ مجاهداً مع ربي ولأني أدافع عن وطني وشرفي وعرضي. حينها سلمت نفسي بكل اطمئنان للخالق المعبود ولم أفكر في أي شيء آخر مطلقاً. كنت أشعر أني انتقلت بروحي ومشاعري إلى رياض الله وملكوته حيث لم أعد أفكر في أهل أو ولد أو دنيا… أحسست بمعنى الثقة بالله والتوكل عليه وتسليم الأمر إليه، وما عدت أبالي بالضرب والشتم والجلد وكنت أحتسبها في سبيله.
مهما كان الألم فإنّ هذا الشعور الرائع الذي غمر روحي ونفسي وكل جوانحي لا يمكنني أن أنساه وهو شعور لا يضاهيه شعور.

ونحن على تلك الحال كنّا جميعا في انتظار الذبح. ولم نكن نعرف شيئاً مما يحصل حولنا سوى التنقل من شاحنة إلى أخرى و التعذيب المستمر. واستمر هذا الحال لمدة يومين لم يفكروا خلالها للحظة واحدة بأننا مسلمين وبحاجة إلى الصلاة أو أننا بشر على أقل تقدير وبحاجة إلى شيء من الشراب أو الطعام..!!

لم نكن نعرف بعضنا، ولم نكن بالحالة التي تسمح لنا بالتعارف لكننا عرفنا بعضنا بالأسماء عندما كانوا ينادوننا والتقينا فيما بعد في سجون الأسر.

في أحد المواقع التي وصلنا إليها وجهوا إليّ سؤالاً_و هو من هم الخلفاء الراشدين؟ فذكرت أسماء الأربعة رضوان الله عليهم، ثم توجهوا بسؤال آخر إلى أحد الأسرى بجانبي عرفت من صوته أنه لا يزال شاباً، فقالوا له: ما تقول في سيدنا معاوية؟ فأجاب: لعنة الله عليه..
فما كان منهم إلا أن نزلوا بنا إلى الأرض جميعاً وقاموا بتعذيبنا عذاباً شديداً، وكان كل من يمرّ من المرتزقة يتعجب من شدة ما يرى من الضرب والعذاب، فيقول لهم: ماذا فعل هؤلاء؟
فيقولون لهم: إنهم يلعنون سيدنا معاوية.. فما يكون منه إلا أن يأخذ سوطاً أو سلكاً و يشارك في الضرب والتعذيب واستمروا هكذا حتى الصباح يتداولون على ضربنا و تعذيبنا حتى أغمي على البعض من شدة الألم والعذاب..!

لكم أن تتخيلوا الوضع طوال ثلاثة أيام في الصحراء تحت أشعة الشمس الحارقة وعلى شاحنات مكشوفة دون طعام أو شراب مكبلين الأيدي والأقدام ومعصوبي الأعين و تعذيب متواصل لدرجة أن البعض لم يعد قادراً على بلع الريق من كمية التراب في فمه..!!
و لكي أكون منصفاً فإن الشمس هي الوحيدة التي كانت تغيب وترحم أجسادنا المنهكة و لو قليلاً من مشهد ذلك العذاب..!

يتبع؛؛

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *